عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )
675
لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام
يصير فيه بحيث لا يجد في نفسه حرجا مما يناله من أذى الناس وسبهم وشتمهم وغير ذلك فقد مات الموت الأسود ، ويحيا « 1 » بالإمداد من حضرة الجواد لأنه يصير ممن شاهد النعم الباطنة على غيره ، حين صارت في حقه ظاهرة لا يرى صدور الكل إلّا من محبوبه ، كما قال القائل : وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبّا لذكرك فليلمنى اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم * إن كان حظى منك حظى منهم وأهنتنى فأهنت نفسي عامدا * ما من يهون عليك ممن يكرم الموت الأحمر : هو مخالفة الهوى وهذا هو الموت الجامع لباقي الموتات كلها ، وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم لما كان يرجع من قتال الكفار : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، قالوا : يا رسول اللّه ، وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مخالفة النفس » « 2 » . وفي حديث آخر : والمجاهد من جاهد نفسه . قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ( العنكبوت : 69 ) فمن مات عن هواه فقد حيى بهداه من موت الضلالة وبمعرفته من موت الجهل . كما قيل : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * وأجسادهم مثل القبور قبور
--> ( 1 ) في الأصل : وح . ( 2 ) رواه البيهقي في الزهد من حديث جابر وضعف إسناده .